د. محمد آل عباس: الانهيار في سوق العقار .. سمة مهما كانت الصفقة

  • تستمر التساؤلات عن اتجاهات سوق العقار، وقد كتبت منذ سنوات أن أي تراجع في سوق العقار لن يكون مثل انهيار سوق الأسهم عام 2006، الذي كان انهيارًا شاملاً وسريعًا ومخيفًا، فطبيعة سوق العقار تختلف عن سوق الأسهم.

    ولعل هذا ما يجعل كثيرين يعتقدون أن انهيارًا في سوق العقار لم يبدأ بعد، فكلمة انهيار لديهم تعني فقط ذلك النوع من الانخفاض السريع والخاطف في الأسعار، تصبح الأرض وهي بمليون وتمسي وقد أصبحت لا تساوي 100 ألف، مثل هذا الانهيار في العقار – نعوذ بالله منه – إن حدث، فإن المسألة عندئذ ليس لها علاقة بالاقتصاد ولا بسوق العقار أبدا.

    ومن الواضح من هذه المقدمة أن العقار سيستمر في التراجع إلى مستويات قياسية، لكن بطبيعة “فيزياء” سوق العقار وليس بطبيعة سوق الأسهم، هو ما سأوضحه في هذا المقال.

    يجب علينا في البداية أن نفهم لمحة بسيطة عن الطبيعة في “فيزيا الكم”. ففي الفيزياء هناك نظرية أينشتاين التي تدرس حركة الأجسام الضخمة جدا، كالكواكب والمجموعات الشمسية وأضوائها، وهناك فيزياء “الكم” التي تدرس حركة أصغر أجزاء هذا الكون، أي النواة والإلكترونات من حولها. قبل ظهور فيزياء “الكم” كان يعتقد أن الإلكترونات تدور حول النواة كما يدور القمر حول الأرض بالقوانين نفسها، لكن ثبت مع بروز عباقرة “الكم” أن ذلك غير صحيح أبدا، وظهر أن فيزياء أينشتاين وفيزياء الكم تبدو متناقضة بشكل خطير مع أن كلا منهما صحيح عند مستواه، لقد احتار العلماء كيف يمكن أن يحدث هذا التناقض الصارخ.

    فعندما قام العلماء بدراسة حركة “الإلكترونات” المتناهية في الصغر تبين وكأنها تدرك أننا نراقبها فتغير سلوكها وتتحرك بطريقة مختلفة عن حركتها إذا لم نراقبها “إذا تم مراقبة الإلكترون تحرك كجسم وإذا لم نراقبه تحرك كموجة ولم يعد جسميا، وهي تسمى تجربة الشق المزدوج”. وهنا يظهر التناقض الشديد بين فيزياء أينشتاين وفيزياء الكم، فإذا كانت أصغر المخلوقات تغير تصرفاتها إذا راقبناها، فإن الأجسام الكبيرة والضخمة كالطاولة الساكنة في مكانها أبدا، أو كالكواكب التي تتحرك غير آبهة بنا ولا بمراقبتنا ولا تغير حركتها مهما أمعنا النظر فيها أو تركناها.

    ولهذا، يقول أينشتاين في رده على فيزياء الكم “أحب أن أعتقد أن القمر موجود إذا لم أنظر إليه”، فالتناقض الخطير هو أن الأجسام الضخمة والكبيرة التي لا تهتم بنا مكونة من الأجسام الصغيرة نفسها “الذرات والإلكترونات” التي تتحرج من مراقبتنا لها، فكيف يمكن أن يحدث ذلك وكيف نفسره؟ لا يوجد تفسير يجمع النظريتين بعد “فيما أعلم”، ولهذا يجب قبولهما معا حتى يلهم الله البشرية حلا لهذا اللغز، لكن من المهم أن نقول “كما يقول فلاسفة هذا العصر” أننا نجهل حركة الكون وتقل معرفتنا به كلما نزلنا وتعمقنا إلى أصغر أجزائه، ذلك أن أصغر أجزائه تدركنا وتدرك مراقبتنا فتغير سلوكها دائما، وهذا الذي ينطبق على عالم الفيزياء ينطبق على عالم الاقتصاد والعقار في هذا المقال.

    سوق العقار تنهار، مهما بدت بعض الصفقات متماسكة، ومهما ظهر تمسك بعضهم بأسعار العقار المبالغ فيها، ذلك لأنه يدرك مراقبتنا له ولقراراته. إنها تطبيقات فلسفة العصر، فكلما أمعنا النظر في صفقة ما وجدنا بعض التماسك، وإذا تركنا المراقبة اتجهت الأسعار في كل صفقة إلى الهبوط، وإذا راقب أحدنا سعر عقار معين، فإنه لا تغير، لكن إذا تابع أسعار العقار على مستوى الاقتصاد ككل، فإن تراجعا كبيرا قد حدث، بل ويحدث باستمرار.

    المظاهر العامة للسوق العقارية تفصح عن تراجع بنسب وصلت إلى 40 في المائة، وتنخفض أعداد الصفقات بنسب تصل إلى 10 في المائة كل عام، وهو تراجع لا يمكن وصفه بأقل من كساد. ولفهم السوق وتصرفاتها، لابد من الاستعانة بالفيزياء أكثر من الاقتصاد، فالسوق عند المستوى الكلي تتصرف وفقا لمبادئ اقتصادية ميكانيكية لا أحد يستطيع إيقافها وهي لا تهتم بأحد كآلة جبارة، بينما عند مستوى الصفقة الواحدة في العقار، فإن مراقبتنا لها تحدد اتجاهها.

    السوق العقارية – بشكل عام – ووفقا للنظرية الاقتصادية الكلية، قد امتصت جميع المعلومات المتاحة وتم عكسها في الأسعار، ومع بعض المضاربات والإشاعات في ظل ممارسات احتكارية صرفة، بلغت السوق حد الذروة ولم يعد هناك معلومات قادرة على دفع السوق أكثر، كما أن قواعد العرض والطلب قد أوصلت الأسعار إلى مستوى تناقص فيه الطلب الكلي عند مستويات يصعب معها أي زيادة في الأسعار مهما كانت قوى الاحتكار، ومع توجهات حكومية نحو ضبط التمويل العقاري لحماية النظام المالي والبنكي من تبعات التمويل المتهور، فإن الأسعار حتما ستتراجع مع تفاقم الكساد في السوق يوما بعد يوم، وهو الانهيار الحتمي الذي بدأت ملامحه منذ فترة، حيث تراجعت الأسعار في الصفقات الكبرى التي تمت في المزادات نحو من 50 في المائة، وهذه أسعار معلنة، ومثل هذه المزادات لا تهتم بمراقبتنا لها، كما تم إيقاف مزاد مشهور جدا بسبب عدم تقدم أي طرف بعرض أكثر من سعر الافتتاح، أي أن سعر الافتتاح لم يكن السعر العادل حينها، ولم يكن يعكس المعلومات المتوافرة في السوق.

    ومع التوجهات الاقتصادية العامة لضبط سوق العمل، فإن تراجع الإيجارات والعوائد العقارية أصبح مشهودا، وهي معلومة متاحة في السوق وتنعكس على العوائد والإيجارات سلبيا. وهكذا تسير السوق عند المستوى الكلي قسرًا، نحو التراجع الحاد، تم مراقبة ذلك أو لم يتم، ولن تستطيع القوى العادية إيقاف التراجع هذا بأي حال، ولعل مراجعة لمقال سابق عن خطورة دعم السوق العقارية يوضح للقارئ الكريم تفاصيل أكثر.

    عند المستوى النووي للسوق العقارية، أي عند مستوى الصفقة الواحدة، فإن السلوك يتأثر بمراقبتنا له، وهذا مشهور، بمعنى أننا نتوقع أن يتأثر البائع والمشتري بالمعلومات المتاحة لهما في السوق لتحديد السعر، لكن لأنه لا يوجد سعر مرجعي عن آخر صفقة فكل عقار يختلف عن غيره، وعندما يتم مراقبة الصفقة، فإن كلا الطرفين يشعران بهذه المراقبة، وهذا يؤثر في سلوكهما أكثر من أي معلومة أخرى متاحة، وإذا كانت السوق ليست ذات مرجعية سعرية علنية لحظية، فإن تزايد المراقبين لكل صفقة يزيد من تعقيدها، وهو ما يمنع تفسير سلوك الطرفين وفقا لقوى السوق الرئيسة. انتهت المساحة… وللحديث بقية.